الجنيد البغدادي
82
رسائل الجنيد
رَبُّهُ أَسْلِمْ قالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ [ البقرة : 131 ] ، ثم ابتلاه باستقبال جبريل له في الهواء ، حين رموه في المنجنيق ، وقال له : يا خليل اللّه ، الجليل يقرئك السلام ، فقال : هو السلام ومنه السلام ، وإليه يعود السلام ، ثم قال له جبريل : يا خليل اللّه هل لك من حاجة ؟ ، فقال : أما إليك فلا ، وأما إليه فحسبي من سؤالي علمه بحالي ، يا جبريل ما لك أن تدخل بيني وبين خليلي تنح عني ، فإن حر ناري أشد من حر نار النمرود عليه اللعنة ، حسبي اللّه ونعم الوكيل ، نعم المولى ونعم النصير . فلما علم اللّه سبحانه وتعالى صدق التسليم قال : يا نار كوني بردا وسلاما على إبراهيم . قال الشيخ العارف باللّه تعالى شرف الدين أبو القاسم الجنيد البغدادي قدس اللّه سره : اعلم أن اللّه سبحانه وتعالى يوري معاملته مع خليله عليه السلام في النار لجميع العباد ليعلموا أن اللّه سبحانه وتعالى يعامل كل من أحبه أن لا يضره شيء في الدارين وليعلموا أن أهل المعرفة في النار أطيب عيشا وأحسن حالا وأشد سرورا مع اللّه سبحانه وتعالى من أهل الجنة في الجنة ، وليعلموا أن كل من أوقد نار محبته ، فلا تحرقه نار في الدارين ، لأن نار الشوق والمحبة أحرق ما دونه ، وصارت النار بردا وسلاما في جنبها . وحكي أن عبد اللّه بن محمد بن عبد اللّه رضي اللّه عنه كان يقول في بعض مناجاته : إلهي لا تدخلني النار فإنك إن أدخلتني النار صارت بردا من حبي لك . وحكي أن ذا النون المصري رضي اللّه عنه قال : أدنى منزلة العارف هو أن اللّه سبحانه وتعالى لو أدخله النار وأحاط به عذابه لا ينصرف قلبه عنه ، ولا يزداد في قلبه إلا أنسا به وحبا له وشوقا إليه وسرورا به ، ولو أدخله الجنة وأحاطت به لذائذها وراحاتها ، لا يشتغل قلبه بها ولا يلتفت منه إليها إجلالا للّه تعالى وعظمته ، ولا يشغله ما في الدارين عنه . وحكي أن أبا سعيد الخراز قال : رأيت رجلا على شاطئ البحر جالسا ورأيت عليه سيماء العارفين ، فسلمت عليه وقلت : كيف الطريق إليه ؟ قال : أما الطريق العام فهو الذي أنت عليه ، وأما الطريق الخاص هو أن تغيب عن كل ما سواه كما رأيتك الآن ، ثم قام ومشى على الماء وغاب عني ولم أراه بعد ذلك . قال : فبكى أبو سعيد ثم أنشأ يقول :